 |
:: كلمة
أ.د. أسعد السحمراني :: |
|
الشباب:
الاستهدافات والطموحات
أ.د. أسعد السحمراني
الشباب هو العزم والحيوية ورمز العطاء، والشباب هو المستقبل وهو حامل
الآمال والطموحات في كل أمة، وهو صاحب الدور في الواقع والحاضر، كما
أنه صاحب كل الدور في المستقبل.
لذلك كان الشباب وسيبقى مستهدفًا في أمتنا وفي سواها من قبل الطامعين،
ومن قبل قوى التآمر والعدوان، والحال نفسه في كل الأمم عند كل الشعوب
مع اختلاف في نوع التحديات، وأساليب الاستهداف.
وإذا كان العالم قد شهد تحولات في السنوات الأخيرة أبرزها توقف الحرب
الباردة وانهيار المعسكر السوفياتي، مما دفع بالولايات المتحدة
الأمريكية إلى رفع سقف أطماعها، وإلى اعتماد مشروع نظام عالمي عُرِفَ
باسم العولمة وهو في جوهره وحقيقته أمركة العالم. ولهذه الغاية عمل
لتنميط الأمم والمجتمعات وفق الليبرالية بالمفهوم الأمريكي التي هي
فردية وتقديس للأنا بحدة وخروج عن المألوف، هذا مع رأسمالية متوحشة لا
تحترم حقًا ولا ترعى حرمة.
وهذا الاتجاه الأمريكي يداخله مفاهيم صهيونية تقوم في الأصل والأساس
على العنصرية والمكائد وزرع الفتن ونشر المفاسد.
وإذا صح أن نقول أن الشباب في أمتنا خصوصًا وفي العالم عمومًا مستهدف
من قبل الصهيوأمريكان فإن هذا الاستهداف يريد تعطيل طاقات الشباب، وأن
يغرق الشباب في المهلكات وأن يصل إلى حد استلاب الشخصية، وضياع الهوية
الثقافية قوميًا ودينيًا، لأن ذلك يفقده الحصانة ويحوله إلى حالة
قابلية للوافد المسموم من أنماط السلوك وأساليب المعاش.
وينتهي الأمر به إلى حد الشلل والانهيار، مما يمكن الأعداء من تحقيق
مآربهم والوصول إلى السيطرة الكاملة، لأن أية أمة لا تحقق الاستقلال
والتحرر والنماء إلا بزنود الشباب وهمتهم واندفاعهم وتضحياتهم.
الاستهدافات:
إن الحديث يدور عن العقدين الأخيرين وما يواجه شبابنا العربي والإسلامي
فيهما من تحديات، وتشخيص الحال لجهة ما يعمل لنشره أعداء الأمة
الصهيوأمريكان وحلفاؤهم، وإذا أردنا أن نحدد هذه الاستهدافات نستطيع
جمعها فيما يلي:
1- إلهاء الشباب بالرياضة والمفاسد: وهذه مسألة بدأها الغرب في أواخر
ستينيات القرن الماضي، وتحديدًا بعد العام 1968 عندما تمكن طلاب فرنسا
وشبابها من خلال التحرك الشعبي أن يسقطوا باني فرنسا الرئيس شارل ديغول،
ويومها كان القرار: يجب أن نحول اهتمامات الشباب إلى غير السياسة
والنضال لأن شباب فرنسا كان قد وصل الأمر به يومها إلى حد تقليد القائد
الثوري الصيني ماوتسي تونغ بالزي ولون اللباس عطفًا على الفكر والحركة
الثورية.
وهذا الإلهاء يكون بتنويع ألعاب الرياضة وجعلها في نشرات الأخبار وسائر
وسائل الإعلام بحجم يفوق أي أمر سياسي أو ثقافي أو اقتصادي أو غير ذلك،
والرياضة ليست في أن يمارس الإنسان لعبة أو هواية فهذا أمر مفيد، ولكن
في إشغال أغلب الوقت بالإعلام المرئي عن الرياضة، أو المقروء أو
المسموع. يضاف إلى ذلك إطلاق العنان للغرائز وللجنس خصوصًا دون ضوابط
ولا موانع وهذا أمر يستلزم متطلبات مادية ووقتًا فوق أنه يهدر القيم
ويؤصل الرذيلة في شخصية الشباب.
وهذا الأمر نفسه يمارسه الصهيوأمريكان هذه الأيام حيث يشجعون ظواهر
الإفساد هذه ويسهلونها وينفقون من أجلها في عالم الإعلام والإعلان
الكثير.
2- تحريك الغرائز باتجاه حب التسلط وتقديس الأنا وعبادة الفردية: ولهذه
الغاية عملوا على نشر قيم الليبرالية التي تنشر ثقافة الفردية
والأنانية وحب الذات باسم حقوق الإنسان والحرية وهي أبعد ما تكون عن
ذلك. وينشرون هذه الثقافة من خلال الاقتصاد أو الأفلام التي يكون
محورها بطلٌ فرد لا يتغلب عليه أحد، وقد ألبسوا هذه الثقافة التي تدمر
وحدة المجتمع وتقطع أواصر القربى وسائر الروابط وأشكال الانتماء لباس
الأمثلة، كذلك القول السيء الذي يرددون فيه: "ما حك جلدك مثل ظفرك". أو
القول المنسوب للويس التاسع: "بعدي الطوفان".
فمثل هذه المفاهيم تضرب قيم أمتنا في ثقافة الشباب، لأن أمتنا طابع
ثقافتها إيماني، وقيم الدين محورية في بنائها الحضاري، والأخلاق
الفاضلة هي سمتها وميزتها الرئيسية.
3- الاستهداف الديني: وفي هذا يعملون على نشر اللادينية (اللائيكية –
العلمانية) ويدعون أن الدين عائق في طريق التقدم، وهذا زعم خاطئ ومسلك
خطير، وحقيقة ما يسعون إليه هو تجريد المجتمع في الميادين كافة من قيم
الدين وفعله؛ أي أنهم يريدون مجتمعًا تسوده مفاهيم اللادينية، من
الأسرة وبنيتها إلى التربية والعلاقات بين أبناء المجتمع إلى سائر
الشئون. ولكنهم لا يجاهرون بالعداء للدين خوف ردات الفعل العطرية أو
المبنية على مواقف أو معرفة، وإنما يشجعون جانب من العبادات من صلاة
وصوم وحج، ويدعون بالمقابل لتعطيل مفاعيل الدين في السياسة والاقتصاد
والجهاد وتحقيق كرامة الإنسان المستخلف في الأرض إلى آخر منظومة القيم
الدينية التي لا صلاح بدونها.
وإذا ما قاومهم أحد مدافعًا عن دينه وعن دور الدين في حياة الفرد
والمجتمع فإن تهمة الإرهاب والأصولية جاهزة ليوجهوها إليه. حتى أن
أنظمة سياسة ومواقع قيادية دينية استُدْرِجَت إلى ما يريدون. بذلك يصبح
الخطاب الديني عند هؤلاء رتيبًا يجلب الملل ويصبح عامل تنفير، لأن
الخطابة والوعظ يجب أن يكونا في فضاء الاهتمامات وفي دائرة حل المشكلات
وجبه التحديات.
4- فلسفة الاستهلاك وطرق الثراء السهلة: إن نشر فلسفة الاستهلاك لجهة
التفنن في التبذير، وإنفاق الأموال في الأمور غير المجدية هي من
الأساليب التي يعتمدها الخصوم والأعداء لإضعاف الإمكانات، وتبديد
الطاقات، وكي تتحول أمتنا وبلداننا إلى أسواق كبرى يروجون فيها بضائعهم
ويشغلون المواطن بالسعي الدؤوب لتحصيل المقتنيات. كما أن هذه السياسة
أغرقت وتغرق الدول بالديون التي تجعلها أسيرة السياسات الاقتصادية
الصهيوأمريكية التي يطالبون مقابلها بسداد فواتير سياسة.
فلسفة الاستهلاك هذه ترافقت معها نزعة أخرى هي نزعة العمل للثراء
والغنى دونما التفات إلى الكسب الحلال الطيب، بل يصبح المال غاية
وتحقيق الثراء بالطرق السهلة وغير الشرعية يبرر عند هؤلاء الوسائل
والأساليب، والاستهلاك مع المال الحرام نجدها عند بطانات ومجموعات في
مواقع سلطوية أو نافذة وهي سبب مباهاة بدل أن تكون مدعاة مذلة وخجل.
5- التربية والتعليم: إن المؤسسات التعليمية والتربوية هي حصون لتنشئة
الأجيال، وهي التي تخرج رجال المستقبل، ومؤسسات التعليم من مدارس
ومعاهد وجامعات هي التي تقدم للأمة الشباب الذي ينهض بأعباء المسؤولية
في الميادين كافة هذا إذا كان الشباب محصنًا بالقيم ومؤهلا تأهيلا
عاليًا يمكنه من أداء الدور الأفضل والأرقى، واستهداف الأجيال يتم من
خلال ثلاثة أمور هي:
أ- عولمة التعليم ونشر الجامعات الخاصة وأغلبها أمريكي الهوى والنشأة
والمناهج، وبذلك يخرج شبابًا هو كالأواني العربية والإسلامية التي
تمتلئ بما هو أمريكي غربي. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الجامعات والمعاهد
تحت شعار تدريس العلوم والتكنولوجيا تطرد من البرامج كل ما له علاقة
بالتاريخ والتراث، أو بالجغرافيا وواقع الأوطان أو بالعلوم الإنسانية
عمومًا. وإن درِّست أحيانًا بعض هذه الأشياء نجدها تعمل على تشويه
الحقائق، وتشويه صور الرموز والأبطال.
ب- تعمل المؤسسات المعولمة المناهج أو المتأمركة لتخريج أشخاص يحملون
شهادات عالية في التخصصات الفنية الضيقة، ولكننا نراهم أميين وجهلة لكل
ما للمصطلح من دلالة في القضايا الوطنية والاجتماعية، وفي المخزون
التاريخي الذي هو ذاكرة الأمة، وفي الثقافة الدينية التي هي مناط
الأخلاق وحصنها. ويكون هؤلاء المتخرجون خدمًا لمشروعات هؤلاء الخصوم
والأعداء وليس أكثر.
ج- تهجير الأدمغة والعلماء نتيجة سوء التخطيط من الحكومات من جهة،
وعدم توافر مدخلات في سوق العمل تناسب مخرجات الجامعات والمعاهد
العلمية. يضاف إلى ذلك الاستقطاب الذي تمارسه أمريكا ودول الغرب على
النابغين من أمتنا من خلال الإغراء المادي الذي يفتحون عليه شهية أهل
الاختصاص من بلادنا.
6- الإعلام: وهنا القضية الأخطر. فالإعلام هو الذي يصنع الرأي العام،
وهو الذي يقود الناس إلى الاتجاه الذي يريد. ومن الأمثلة أن كرومر وهو
أول مندوب بريطاني سامي على مصر كان يقول: يكفينا من أجل حكم مصر خمسون
جنديًا ومعهم جريدة المقطم، ويقصد بذلك أن الإعلام المؤثر تكفي معه
القوة القليلة من أجل السيطرة، وقد بث الإنكليز أفكارًا عرقية فرعونية
أو طائفية أو سياسية من أجل التفرقة وزرع الفتنة ليحققوا السياسة
القائلة: فرِّق تسُد.
والإعلام يمارس التضليل وتزوير الحقائق والأدلة كثيرة فيما يجري حولنا
على امتداد الوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم. والإعلام ينشر من
خلال برامجه وإعلاناته الكثير من الأباطيل والأراجيف، ويشكل باب فساد
ومنه يتولد الخطر. وقد أضيف إلى الإعلام هذه الأيام شبكة المعلومات
الدولية (الإنترنت) وما يعرف باسم أندية ومقاهي الإنترنت، وهذه الوسائل
جسر عبور للمفاسد والرذائل وهي فوق ذلك تطحن وقت الشباب في الأمور غير
المجدية، والأخطر أنها تشغلهم عن التآلف والاشتراك مع أهل المجتمع؛ أي
أنها مدارس للعزلة والانعزال، ومنصات لنشر المفاسد والفساد، وعوامل نشر
للرذائل والمخاطر.
7- الشكل والزيّ: يأتي في حملة الاستهدافات التي يصدرها الخصوم
والأعداء تحويل اهتمامات الشباب إلى الأمور الشكلية كقصة الشعر أو
تسريحته، أو كأزياء اللباس ومنها المبتذل والفاضح ونجد وقت الشباب
يُصرَف فيها والمال يُهدر من أجلها. فقد نجد مُدَرِّسة تصرف وقتًا غير
قصير من أجل التزين أو تسريحة الشعر كل صباح، وقد لا تصرف أقل من هذا
الوقت في تحضير ما ستقدمه لطلابها. والأمر نفسه قد نجده عند الطلاب
والطالبات حيث يصرفون أوقاتًا على الهيئة التي يريدون الخروج بها ويكون
ذلك على حساب تحصيلهم ودروسهم. وإذا كان الترتيب مطلوبًا وكذلك
الاعتناء بالمظهر، لكن المبالغة في الأمر هي المشكلة. والمشكلة تكمن في
أن متابعي الأزياء الخلاعية والأشكال الممجوجة من التزين يقبلون هذه
الأشياء دونما دراسة أو وعي، لأن منها ما لا يناسب جسم الشخص أو سنه
أحيانًا.
8- نشر الفهم الخاطئ للدين: إن عددًا من الجمعيات أو أمراء المجموعات
أو من يتصدون للعمل الديني يجنحون إلى الغلو والبعد عن مفهوم منهج
الأمة الوسط، ويخرج من بين أيديهم وصفوفهم شباب مشحون بالعُقد
والإنفعالات وردات الفعل، وهذا الإفراط السلوكي والغلو باسم الدين يشكل
خطرًا على شباب الأمة كالتفريط والاستهتار بالقيم وأحكام الشريعة. ولا
يخفى على أحد ما تعانيه ساحتنا العربية والإسلامية جراء هذه المدارس
التكفيرية وسواها من دعاة الانغلاق والانعزال والجمود. والخطر من
الجمود كالخطر الآتي من الجحود. وإن هذه المفاهيم الخاطئة للدين يتمحور
اهتمامها حول الشكليات وبعضها يدعي الحق وحيدًا في الفهم والاجتهاد
والفقه.
إن هذه الاستهدافات تأتي في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير
الصهيوأمريكي الذي تتم ترجمته من خلال هذه الاستهدافات التي يمكننا
حصرها في ثلاثة هي: الدين والإعلام والتربية.
وهذا الاستهداف يريد تضييع شبابنا وتعطيل طاقاته ووقف حركته النضالية
الهادفة لصناعة النصر والتحرير والتقدم، وكي يتمكن الأعداء من تمرير
مخططاتهم وتحقيق أطماعهم.
الطموحات ووسائل رد التحديات:
إن الشباب يحتل الموقع الأساسي في تحقيق الأهداف والمبادئ السامية،
ولذلك نجد الدين قد ركز على الشباب ووجه للعناية به، وبين أنه جدير
بحمل الأمانة والمسئولية، وبأداء المهمات مهما كانت حساسة وكبيرة.
ورد في أكثر من موقع في النصوص القرآنية ما يؤكد هذا الأمر، من ذلك قصة
أهل الكهف، أولئك الفتية الذين تمسكوا بعقيدتهم وخالفوا قومهم وقبلوا
الفرار ملتزمين الرشاد والهدى على أن يرضخوا ويسيروا في طريق الضلال،
ومما جاء بحقهم قول الله تعالى: "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى".
- وكذلك الخطاب الإلهي إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام بأن يمتلك
أسباب القوة كي يؤدي دوره في الحكم بين الناس والفصل بينهم وهو لا يزال
في سن مبكرة. قد قال الله تعالى: "يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه
الحكم صبيًا".
إن هذا البلاغ الإلهي يدحض فكر مدارس علم النفس الغربية التي تزعم بأن
البلوغ والرشاد يكون في سن الثامنة عشرة، وأن الفتوة هي مرحلة مراهقة
تستمر سنوات، وهذا من جملة الاستهدافات في تبرير الجنوح إلى المفاسد.
لذلك لابد من رفض هذه الفكرة والعمل على تحديد الغايات والأهداف وضمن
سؤال كبير يجب أن يجيب عليه كل شاب بعد سن التمييز في السابعة من عمره،
ونص السؤال هو: من أنا؟ وماذا أريد؟ أي أن كل شاب يجب أن يحدد هويته
ويلتزمها وأن تكون غاياته وطموحاته واضحة له كي يسعى لتحقيقها. وأبرز
وسائل تحقيق الطموحات ورد التحديات ما يلي:
1- التدين والإيمان بلا تعصب: إن أمتنا هي مهد رسالات السماء، وهي
حاضنة المقدسات، ومنصة نشر القيم والفضائل في نواحي العالم. وإن الدين
يشكل العامل الحاسم في هويتنا الثقافية، والقيم الناظمة لحضارتنا. لذلك
نحتاج للتدين القائم على أساس الإيمان بلا تعصب الذي يشكل الحصن المنيع
الذي يحمي الأجيال من الانحراف والغلو إفراطًا وتفريطًا.
إن تحقيق هذا الهدف أو هذا الهدف أو هذا الطموح يكون بتأهيل الجهاز
الديني والعاملين في حقل الدعوة كي يقدموا خطابًا وعظيًا يناسب مزاج
الجيل، ويلبي طموحاته لجهة الإجابة على ما يدور في ذهنه من التساؤلات
التي تجعل الدين في أساس كل شأن من شؤون الحياة. ولابد أن يتعاون لهذه
الغاية الأهل مع دور العبادة والمدرسة ووسائل الإعلام.
2- التربية: إن تأهيل الجيل الذي يلعب دور الرادع والمواجه لمخططات
الأعداء يحتاج نظامًا تربويًا يلتزم ثقافة الأمة وينخرط في مسارها
الحضاري، ويستفيد مما أنتجه البحث والاكتشاف، ومما توصلت إليه التقنية
في أية بقعة من العالم.
والنظام التربوي المطلوب هو ذلك النظام الذي يلتزم هموم الأمة وينبع من
تربتها الوطنية والقومية ملتزمًا آلامها وآمالها؛ أي أن يكون نظامًا
تربويًا تعليميًا هادفًا، وبمقدوره أن يستجيب للتحديات التي تواجهها
الأمة والأجيال. وهذا النظام التربوي يقوم على اقتران العملية
التعليمية بصقل المواهب والتنشئة على أساس محاسن الفضائل والقيم
السامية.
وإذا كان الانفتاح على الآخرين مطلوبًا في إطار الاستفادة مما هو مبتكر
وجديد، إلا أن ذلك يجب أن تكون له ضوابط من خصائص الأمة وشخصيتها حتى
لا يكون نقلا عشوائيًا يترك مفاعيل سلبية.
3- الإعلام: إن الإعلام سلاح ذو حدين: فإما أن يوظف في خدمة الأمة
والوطن وفي تحقيق الخير والسعادة، وإما أن يتم استغلاله في التخريب
والفساد والدمار. لأن الإعلام بمختلف تقنياته وأنواعه وأساليبه بات من
عوامل نشر الثقافة والمعارف، وتحقيق الاتصال بسرعة فائقة، ولأن الإعلام
كثيرًا ما كان سبب الإضلال والإفساد.
إن هذا الأمر يوجب تصنيع مواد الإعلام من البرامج إلى تصميم الإعلانات
إلى التوجيه السياسي والإخباري والاجتماعي، وهذا يستلزم تعاون المعنيين
في الصناعة الإعلامية رسميًا في المؤسسات الأهلية على تنوعها كي
يتمكنوا من صناعة مادة إعلامية ملتزمة بقضايا الأمة وبقيمها، وأن يكون
الإعلام مع التربية وسائر النشاطات الثقافية ملتزمين بفكر المقاومة
وثقافة المواجهة.
4- الطاقات والتوظيف: إن الحاجة ملحة لخطط وبرامج تستوعب من خلالها
أسواق العمل طاقات أبناء الأمة حتى لا تهاجر فنخسرها، وأن يتم توظيف
الكفايات في مواقعها المناسبة على قاعدة: الرجل المناسب في المكان
المناسب. ولا يخفى على أحد ما نجده عند الجيل من قلق على المستقبل يرتد
عبثية وفوضى في السلوك والملبس والحيد عن جادة الصواب والرشاد. وقد قيل
قديمًا: البطالة تورث الرذيلة.
5- إن الجيل يحتاج إلى تأسيس الأندية وسائر المواقع التي تستقبل نشاط
الشباب وتؤمن لهم إبراز ملكاتهم ومواهبهم، وتتيح لهم ممارسة هواياتهم
لأن مثل هذه المنتديات التي تتوافر لها الرعاية القيمية تقي الجيل من
مزالق ومهاوي قد يسقط فيها إن لم يجد الأمكنة التي تحتضنه وترعاه.
6- العمل التنسيقي: إن الآونة الأخيرة شهدت تطورًا ملحوظًا في تأسيس
أندية الانترنت والرياضة والرماية والسباحة والمكتبات العامة وغير ذلك،
مع الإشارة أن بعضها حكومي، والقسم الأكبر خاصٌ، ولكنها في الغالب
تفتقد التنسيق بينها كما أنها تفتقر إلى التوجيه والضوابط بفعل
الاستيراد والتصدير العشوائي، مما جعل ويجعل قسمًا منها في غير مصلحة
أجيال الأمة وما تريده منها.
7- اللغة: إذا كانت الحاجة قائمة إلى دراسة وتعلم لغات الآخرين على
قاعدة الحديث النبوي الشريف الذي جاء فيه: "من تعلم لغة قومٍ أمِن شرهم".
إلا أن إتقان العربية ضرورة لأن اللغة هي الوجه الآخر للثقافة والعلاقة
جدلية بينهما. لهذا نرى التآمر على العربية الفصحى من خلال المستوى غير
السليم في لغة الإعلاميين والمدرسين وسواهم، وهذا يظهر من خلال تشجيع
المحكية المعوجة، وهذا خطرٌ على الجيل، لأنه يبعده عن لغة الدين وعن
التراث وما يحويه من ذخائر وكنوز.
إن رد هذا التحدي يكون بتحديث أسس تعليم اللغة العربية وقواعد صرف
النحو فيها مع تبسيط القواعد وتجديد المعاجم لاستيعاب مستجدات العصر في
مختلف المجالات.
8- إن التحديات والاستهدافات تحتاج منا أن نلتفت إلى الأسرة وتأسيسها
على قواعد سليمة من الزواج إلى الإنجاب وإعداد الأولاد وتأصيل القيم
الأخلاقية في البر والرحمة، ومواجهة كل أشكال الوافد من هنا وهناك الذي
يريدون من خلال ضرب الأسرة المستقرة، وإحداث تفكيكها كما الحال في
أمريكا والغرب. وفي رحاب الأسرة، نحتاج إلى إعداد للجيل على قيم الوحدة
والعدل والحرية والخير والحق والجمال، ففي هذه كلها تكون المنطلقات
السليمة والأهداف الراقية، ويبقى أن يكون معها التدريب والإعداد على
الوسطية والتوازن والاعتدال في الأمور كلها، وأن ننمي في أجيالنا حب
التضحية وخيار الفداء من أجل الدين والوطن ونيل الحقوق ورفع الظلم
وتحرير الإنسان والأرض.
هذه بعضٌ من المهمات التي تحتاجها المرحلة في إعداد شباب الأمة الذي
نريده أن يكون أنقى وأرقى، وأن يكون المستقبل معه للأمة بحيث تحتل
مكانة الصدارة والقيادة بالإضافة إلى الريادة، كما كان الأمر في ماضي
الأمة الأزهر.
عودة
|