كلمة أ. محيي الدين عبدالحليم
أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة الأزهر الشريف
الأستاذ محيي الدين عبد الحليم، أستاذ
الصحافة والإعلام بجامعة الأزهر الشريف، والمستشار الإعلامي لوزير
الأوقاف، وعضو اللجنة الوطنية لليونيسكو، وهو عضو اتحاد الكُتَّاب،
وكذلك عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وعضو الرابطة الدولية
للإتصال الجماهيري بجنيف، ومؤلف ثلاثة وعشرين كتابًا مطبوعًا، وأكثر من
مائة بحث علمي شارك بها في مؤتمرات محلية وعربية ودولية، وناقش عشرات
من الرسائل العلمية والأكاديمية في مصر، وأسهم في تأسيس أقسام الصحافة
والإعلام في عدد من الجامعات في الدول العربية، نستمع من خلاله إلى
المحور الثاني في هذه الندوة:
- بداية أود أن أوجه خالص الشكر والتقدير إلى المنتدى ممثلا في العزيز
الدكتور عبد الولي الشميري على هذه الدعوة الكريمة، وعلى اختياره لهذا
الموضوع الحيوي، لأن الشباب العربي يعيش فعلا في محنة، في حاجة إلى من
يأخذ بيده، وإلى من ينقذه مما هو فيه حتى تنهض به الأمة، وينهض بها.
- الشباب العربي يواجه بالعديد من التحديات من أبرزها الحرب النفسية
الموجهة ضده لكي تقتل فيه الروح المعنوية، والرغبة والانتماء، وتزرع
فيه الغلو والتطرف مخاطبًا بالبث المباشر، والغزو الإعلامي من كل جانب،
محاطًا بوسائل الإعلام التي تقدم له الغث قبل الثمين، والذي لا تأخذ
بيده، وأمامي الآن الحقيقة أعظم استثمار هو الاستثمار البشري، وبلد
كاليابان لا يوجد فيها موارد تذكر، لا نفط ولا حديد ولا ذهب ولكن يوجد
فيها الإنسان، الإنسان الذي أخذ بهذه الدولة، ونهض بها وصنع بها هذه
المعجزة. ألمانيا التي تحطمت تمامًا، الإنسان الألماني هو الذي أخذ
بيدها ونهض بها، وحولها إلى دولة عملاقة في أوروبا، فالإنسان هو الأساس،
وإذا كان الإنسان بصفة عامة هو أساس تقدم الأمة، ونهضتها، فأولى أن
نهتم بشباب هذه الأمة لنأخذ بيده حتى يأخذ هو بيد الأمة بعد ذلك، وفي
الحقيقة فإن الشباب كما ذكرت محاط بالعديد من الأخطار والتحديات في
دراسة علمية جادة تشير إلى الأزمات المتلاحقة التي تواجه الشباب العربي
والتي تعوق حركته، وتقف عقبة قوية أمام تقدمه، وتضعف من قدراته وتحد من
ملكاته في الخلق والإبداع وإسراء الحياة في المجتمع العربي، وتشعره
بالغربة، وتثيره باليأس والإحباط، هذه الدراسات حصرت ثلاثة عشر مشكلة
يعاني منها الشباب، وعلى رأسها مشكلة البطالة، وأزمة التعليم، نحن نعلم
كم أصبحت متفشية، وأزمة التعليم، وانتشار محلات تسمى جامعات الآن في
الوطن العربي، وما هي بجامعات ولا هي مؤسسات تعليمية، وأزمة الإسكان،
وأزمة الزواج، وانتشار الإدمان بين الشباب، والفقر وتدني مستوى المعيشة،
كل هذه الأزمات التي حصرتها هذه الدراسة تدفع الشباب إلى التطرف
والإضراب السياسي داخل وطنه، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن المؤسسات
السياسية والاجتماعية والإعلامية قد أسهمت في ترسيخ العديد من القيم
السلبية، والمفاهيم الخاطئة لدى الشباب، وغرست فيهم التمرد والرفض لكل
من حوله، ولعل غياب القدوة في المنزل، وفي المدرسة، والجامعة، وفي
وسائل الإعلام كان أبرز العوامل التي انعكست على سلوك هذه الشريحة
الهامة من شرائح المجتمع العربي التي يقترب عددها من نصف السكان، فماذا
ننتظر من شاب يرى أب غائب عن بيته، وأمًا منصرفة عن أبنائها، ومعلمًا
يقول ما لا يفعل، ويمارس الكذب والنفاق؟ وحين يهرب هذا الشاب إلى وسائل
الإعلام لا يجد إلا البرامج السطحية والفقرات الهابطة، وأغاني الفيديو
كليب، وإعلانات تعرض له فتيات كاسيات عاريات يتراقصن أمام عينه في
أوضاع مخلة، أو مشاهد فاضحة تساعد على الانحراف والتفكك والانحلال
الأخلاقي، وتسهم الأوضاع السياسية والاجتماعية في الوطن العربي بإصابة
الشباب باليأس والإحباط والاضطراب، هي تحرمه من المشاركة في قضايا وطنه
من خلال أساليب القهر والقمع وتكميم الأفواه، وحين تحرمه من حق التعبير،
وحرية الرأي، وحق الاتصال، انتشرت ظاهرة التدخين، وتعاطي المخدرات بين
الشباب العربي بصورة مخيفة، وتشير أرقام الإحصائية إلى أن 36.4 من
الشباب العربي يتعاطى المخدرات هربًا من الواقع الأليم الذي فرض نفسه
عليه، والمخدرات تخلق لدى الشباب الشعور بالسعادة المزيفة، والسرور
والمرح الذي يعكس واقع أليم، وهي تؤدي في النهاية إلى التبلد والخمول،
والتخلف العقلي، والتدهور في مختلف جوانب الحياة، إلى الدرجة التي لا
يستطيع معها الفتى والفتاة القيام بأي عمل مهما كان سهل، فيلجأ إلى
السرقة والكذب والغش، بل والقتل أحيانًا، والقلق، وأكثر الاضطرابات
النفسية شيوعًا، ويزداد حدوثه في الفترات الانتقالية، وكذلك الانتقال
من مرحلة البيت إلى مرحلة المدرسة، أو من مرحلة الطفولة إلى المراهقة،
ولقد أصبح الشباب العربي لا يجد من يشكو إليه قلقه ومشكلاته ولا يمد له
يد العون، وذلت قدمه وواجهته مشكلة فيتعاذر لديه الخوف من المستقبل،
فلا يهتم بمن حوله وتتغلب عليه النزعة المادية، ولا يحفل بالجوانب
المعنوية، والقيم الإنسانية، ويأخذ الخوف عند المراهق عدة مفاهيم من
أبرزها الخجل والحساسية الزائدة التي تنشأ في المواقف التي لا يجد
الشاب مخرجًا منها، وتؤكد الأبحاث العلمية أن التسائل الذي يلح على
الشباب هو من سأكون؟ وإلى أين أتجه؟ وما الذي تعنيه الحياة بالنسبة لي؟
حيث يمثل التمرد والرفض والتطرف أحد المفاهيم السلوكية لهؤلاء الشباب،
فينفصل عن مجتمعه ويشعر بالغربة عن بني وطنه، وبسبب الأزمات المتلاحقة
التي يعاني منها الشباب العربي انتشرت ظاهرة الزواج العرفي وأصبحت تشكل
كارثة أخلاقية، وتشريعية لما تخلفه من آثار خطيرة على مستقبل العلاقة
بين المتزوجين بهذه الطريقة، ويترك الزواج العرفي آثار سلبية على طبيعة
العلاقة الزوجية، وعلى الذرية الناجمة عنها، وعلى الميراث بعد الوفاة،
وكثير ما يتم الزواج دون إعلان أو شهود، وبصورة سرية، وهو ما يخالف
مذاهب أهل السنة، لفقدان الإشهار، وعدم وجود ولي للزوجة، وقد تفشت هذه
الظاهرة بين طلبة المدارس والجامعات، وشجع على ذلك مشاهدة الأفلام
المثيرة والممارسات الجنسية على عدد من القنوات الفضائية التي تنقل هذه
المشاهد إلى البيوت والمقاهي والمطاعم وغيرها، ولقد أسهم في انتشار
الزواج العرفي تفاقم أزمة الإسكان، إضافة إلى المطالب الباهظة التي
يشطرتها أهل الزوجة على الشاب المتقدم إلى الزواج، مع العجز الكبير في
توفير نفقات الزواج، وقد كان للبطالة وعدم وجود فرص للعمل سببًا رئيسًا
في حالة الإحباط التي يعاني منها الكثير من الشباب لأنهم قوة عمل
وإنتاج هائلة لكنهم لا يمارسون عمل إلا أنه لا يوجد نظام، كما أنه لا
يوجد نظام لإعانة البطالة في العالم العربي، كما هو الحال في الدول
المتقدمة.
- وإذا أضفنا إلى ذلك البطالة المقنعة التي تعاني منها الدول العربية،
والتي تتمثل في زيادة أعداد العاملين، وحملة الشهادات عن الحاجة لهم في
مواقع العمل والإنتاج، إلا أن قنوات الاتصال، ووسائل الإعلام يمكن أن
تلعب دورًا ما فاعلا، ومؤثرًا في مواجهة أزمات الشباب، فهي الرفيق
الملازم لهم في أوقات فراغهم، حيث كشفت بعض الدراسات أن الشباب يقضي
أكثر من ثلثي ساعات يقظته أسيرًا لهذه الوسائل، ومن ثم فهي أخطر
الأدوات المؤثرة في تنشأة الأجيال لما لها من خاصية الانتشار، ومن
جاذبية، وكثيرًا ما يفوق دورها دور الأسرة والمدرسة والمسجد في تربية
النشأ وتوجيه الشباب بعد أن غزت معظم الأماكن التي يتواجد فيها هؤلاء
الشباب، كما أنها يمكنها أن تساعدهم على خلق علاقات سوية مع المجتمع
الذي يعيشون فيه، وتنمية الإحساس بالانتماء الوطني والشعور القومي، كما
يمكن أن تقوم بتعريف الشباب بحقوقه وواجباته، وتربطه بالعالم من حوله،
ولكي تحقق وسائل الاتصال وقنوات الفكر أهدافها في مساعدة الشباب على
مواجهة أزماتهم فإنها لابد أن تقدم المعلومة الصحيحة والفكرة الصائبة
بأسلوب مبسط وواضح وجذاب، وأن تبتعد عن الإثارة والتهويل والتهديد،
مستعينة في ذلك بعلماء الدين وأساتذة العلوم السلوكية والنفسية، وأن
تقدم النصيحة بأسلوب غير مباشر، من خلال البرامج الدرامية والمنوعات
والطرائف، والاستعانة بكوادر إعلامية مؤهلة وقادرة على التأثير
والتعاون مع مؤسسات التنشأة الاجتماعية والتعليمية والثقافية، وذلك من
خلال خطة قومية للقضاء على الظواهر السلبية التي انتشرت مؤخرًا بين
الشباب العربي، كما أن الصحف والبرامج الدينية في الراديو والتلفزيون
يمكن أن تلعب دورًا مؤثرًا في هذا الصدد بدلا من التركيز على العبادات
والشعائر، وإحياء ذكرى الأولياء، فالإسلام دين الحياة يحفل بالمعاملات،
كما يحفل بالعبادات، وذلك انطلاقًا من قوله تعالى: "ما فرقنا في الكتاب
من شيء، ونزلنا عليك الكتاب تبيينًا لكل شيء"، وهكذا يتعاظم دور وسائل
الإعلام وقنوات الاتصال والتعليم والثقافة بعد التقدم الهائل بهذه
الوسائل، الذي أخذته هذه الوسائل فأصبحت قادرة على الوصول إلى جماهير
الشباب والصبية، في أي وقت وفي أي مكان، كما أصبحت قادرة على الوصول
إلى جماهير الشباب والصبية في أي وقت وفي أي مكان، كما أصبحت قادرة على
أشباع احتياجاتهم والارتقاء بأذواقهم وتزويدهم بالمعارف والمعلومات
الصحيحة التي تؤثر في سلوكهم وأخلاقياتهم، وتنمي الإحساس لديهم
بالانتماء وتعرفهم بحقوقهم وواجباتهم، وتمكنهم من مواجهة الغزو الفكري
والتصدي لموجات الإلحاد ونزع فتيل التناقض بين الدين والحياة، وهذا
يعني أن الشباب العربي يجب أن يخرج من المأزق الذي يعيش فيه، والذي
يستهدف هويته لأن المواجهة تجري داخل الأوطان العربية، وداخل عقول
أبناء الأمة، وهذا يتطلب التحرك السريع، والواعي لمواجهة تحديات
العولمة قبل أن تستفحم وتتفاقم أخطارها في العالم العربي، وتقتضي
الحكمة أن نتعامل معها بوعي وشفافية، لا سيما أن الثقافة العربية لا
تعادي العولمة عداءً مطلقًا، بل أن هناك إمكانية الإفادة من معطياتها
الإيجابية دون أن نفقد خصوصيتنا الحضارية، وهويتنا الإسلامية من خلال
عدم التفريط في الثوابت التي تقوم عليها هذه الأمة، والتي تتمثل في:
- الدين.
- اللغة.
- التاريخ.
- الميراث الثقافي.
- ولا يوجد ثمة تناقض في الثقافات في الهوية العربية الواحدة، وهو ما
يعبر عنه بـ "التنوع في إطار الوحدة" حيث تمتزج عناصرها وتتلقح
مكوناتها من ثقافات الشعوب والأمم.
هذا يؤكد على العلاقة القوية بين الهوية العربية والثقافة الإسلامية
بحيث يتعصر الفصل بينهما، لأن الهوية هي مرآة لثقافة الأمة، وهي التي
تمنحها شخصيتها التي تعرف بها بين الجماعات الأخرى، وهذا يعني أن
الثقافة هي التي تحدد هوية الأمة وشصيتها، وتدل عليها، وتميزها عن
غيرها، لأنه ما من هوية إلا وتستند على خلفية ثقافية.
- وهكذا نرى أن الإسلام كان له الأثر الفاعل في تشكيل الهوية العربية،
والوحدة الإسلامية النابعة من اشتراك الناس في ممارسة العبادات
والمعاملات، والطقوس، والذبائح والصلوات، والشعائر، وهي أهم العناصر
غير القابلة للزوال أو التطور أو التغيير، وهي المرجع الأساسي لمنظومة
القيم التي يؤمن بها المجتمع العربي المسلم، والتي تخضع بالإجماع
والتقديس بين أبناءه، ذلك أن القيم العربية تشكلت بناءًا على تعاليم
الديانة الإسلامية التي كانت لها أبعد الأثر في مختلف مناح الحياة، أما
هذه الديانة كانت وستظل هي المفتاح الرئيسي لكل عمليات التحديث
والتنمية، وأثراء عقل الشباب، وهذا يتطلب إصلاح المؤسسات التعليمية
والثقافية، وتقديم القدوة للشباب في وسائل الإعلام، وفي غيرها، فبين كل
حين وآخر لا نجد إلا هذه ذكرى الفنانة فلانة، وهذا ذكرى فلان، ولا نرى
مرة ذكرى الإمام محمد عبده أو الشيخ المراغي، أو عبد الرحمن الكواكبي،
لن أرى الشاشة الفضية تقدم للشباب هذه النماذج التي يجب أن يقتضى بها،
ويعطي للشباب الحرية، وحق الاتصال، وحرية القول، ولا يمنع الشباب من
التعبير عن رأيه، وإفساح حرية القول والتعبير، وكذلك الاهتمام في
المدارس والجامعات بعلوم الدين، واللغة في المؤسسات التعليمية، وقد
درجت الآن العديد من المؤسسات سواء في المرحلة الابتدائية أو الثانوية
أو الجامعية على تمحية اللغة العربية، وتعليم العلوم المختلفة باللغات
المختلفة، كيف يمكنني أن أدرس التحرير الصحفي باللغة الانجليزية لطالب
سوف يتعامل مع مجتمع عربي، ويكتب باللغة العربية مقالاته وأخباره، وأرى
جامعات تفتح كلها دراسات باللغة الانجليزية، تحصين الشباب في مواجهة
العولمة والبث المباشر، والغزو الثقافي زرع العقيدة فلا تناقض أبدًا
بين الانتماء للوطن، والانتماء للعقيدة.
استطلاعات رأي الشباب فيما يخصهم، وفيما يهمهم حتى يتم وضع الخطط
العلمية الكفيلة لمواجهة مشاكل الشباب وحل أزماتهم.
شكرًا لكم...